أحمد بن علي القلقشندي

289

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

الإكداء والإصلاد ، وأقول : أخطأ مستعجل أو كاد ، فأثوب مثاب من حلب الدّهر أشطره ، وأخذ إذا ارتفع عن الدّنيّة من حظَّه أيسره ، وبنى كما بنى سلفه وقرّر ما قرّره ، فأقول : ارفض الدّنيّة ولا تلو عليها ، فتكون « أحمق من الممهورة إحدى خدمتيها » ( 1 ) « فالحرّة تجوع ولا تأكل بثدييها » : ولسنا بأوّل من فاته على رفقه بعض ما يطلب وقد يدرك الأمر غير الأريب وقد يصرع الحوّل القلَّب ! وتارة يخطر أن لو شكوت حالي إلى أصدقائي من ذوي الجاه ، وسألتهم بإلحاقي بهم في الابتغاء من فضل اللَّه ، وأحضّهم على انتهاز فرصة الإحسان قبل الفوت ، وأضرب لهم : « أعن أخاك ولو بالصّوت » فليس على مثلي ممن يخيفه الدّهر في ذلك من جناح ، « وهل ينهض البازيّ بغير جناح » ؛ ثم أرى أنهم لو فضل عنهم شيء لجادوا ، بل لو زويت ( 2 ) الأرض لهم لازدادوا ، ولو ملَّكوا ظلّ اللَّه لأصبحت لديهم ضاحيا ، وما حالي بخاف عليهم وكفى برغائها مناديا ، وقبلي بغى ( 3 ) عليّ ففاته وأدرك الجدّ السّعيد معاويا ؛ وإلى كم أعلَّل تعليل الفطيم بالخضاب : سئمت العيش حين رأيت دهري يكلَّفني التّذلَّل للرّجال ! وأخرى يسلَّي نفسه عن مصابها ومصائبها ، ويمنّيها كرّ الأيام بتعاقبها ، ويقصّ عليها تقلَّب اللَّيالي بالأمم الماضية في قوالبها ، وأنها ما قدّمت لأحد سعادة إلا عقّبتها بتغيير ، وما سقت صفو الأماني بشرا إلا شابت كأسه بتكدير ،

--> ( 1 ) الخدمة : الخلخال . والمثل يضرب للأحمق البالغ في الحمق غايته . وذلك أن رجلا تزوج امرأة ، فلما دخل عليها قالت : لا أطيعك أو تعطيني مهري ! فنزع إحدى خدمتيها من رجلها ودفعها إليها فرضيت بذلك . ( لسان العرب : مادة : مهر - وجمهرة الأمثال : 1 / 390 ) . ( 2 ) أي جمعت لهم . ( 3 ) أي ابتغاه وطلبه .